محمد حسين علي الصغير

271

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الزلل ، ولا يرجو إلا مزيدا من الأجر لليوم الآخر ، حينذاك يزهد في أعراض الدنيا وزخارفها ، ويرغب عن مصادر الجاه وبهارجه ، لأنهما لا يقدمانه خطوة في ركاب الخلد ، ولا يقربانه زلفة من اللّه ، والملحظان الأخيران الخلد والزلفة وحدهما يشكلان الهدف المركزي من عبادته ، وإذا كان الأمر كذلك فهو مشغول بنفسه عن غيره ، وبذاته عن الآخرين ، يؤمل خيره ، ويؤمن شره ، هذه حياته حياة آمنة مطمئنة ، تظللها أبراد الرحمة ، وهذه سريرته نقية صافية مشرقة تواكبها ظلال القناعة ، الذات بعيدة عن الآثرة والجاه ، والروح قريبة من الصفاء والتجلي ، والبدن يرفل بذات خيرة وروح متلألئة ، فما أشغله عن الهنات ، وما أبعده عن النزوات ، طماح إلى مدارج الكمال ، واتصال بعوالم السعادة الحقة ، ذلك هو القدوة في العبادة ، والذروة في الاخلاص ، فإذا اقتدى به غيره اهتدى ، وهكذا يتكامل المجتمع ابتداء بالفرد الصالح يضم إليه أخوه الصالح فيشكلان جماعة متحابة في ذات اللّه ، محققين معنى العبادة في التطبيق ، وأصالتها في المصداقية ، وهكذا يكون المجتمع ويتكون كما كان من ذي قبل ، فقد بدأ الاسلام بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم وآمن معه علي عليه السّلام وانضم إليه المؤمنون ، وإذا بهم اليوم مئات من الملايين ، ولكن شتّان بين هؤلاء وأولئك ، فقد أضاع مجمل الناس الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، ولا يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها ، ألا وهو صدق العبادة . والعبادة تارة تكون لاسقاط الواجب ، وتارة تكون لطلب المنزلة الرفيعة ، فالأول لا مزية له ، والثاني يخلص إلى جوهر العبادة ، لهذا فقد ذهب بعضهم إلى أن بين العبادة المجزية والمقبولة عموما مطلقا ، فكل عبادة مقبولة مجزية ، ولا عكس ، وحاصله عدم التلاؤم بين القبول والاجزاء ، فالمجزي ما يخرج به المكلف من العهدة ، والقبول ما يترتب على فعله الثواب ، واستدلوا على ذلك بوجوه « 1 » : الأول : سؤال إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام التقبل مع أنهما لا يفعلان إلا صحيحا .

--> ( 1 ) ظ : البهائي ، الكشكول : 1 / 99 ، دار العلم ، د . ت .